عازف الاورج الشرقى
اهلا ومرحبا بكل الزوار واعضاء منتدى عازف الاورج الشرقى سجل لدينا وستجد كل ماهو جديد


شبكة منتديات عازف الاورج الشرقى
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
مرحبا بجميع الاعضاء الجدد فى هذا المنتدى الكبير وانشاء الله يحوز اعجابكم
اهلا ومرحبا بكم فى شبكة ومنتديات عازف الاورج الشرقى يشرفنا تسجيلك معنا

شاطر | 
 

  الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عازف الاورج الشرقى
Admin
avatar

عدد المساهمات : 448
تاريخ التسجيل : 15/04/2011

مُساهمةموضوع: الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة    السبت أبريل 23, 2011 6:58 pm



التخطيط في الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة في ضوء العلم الحديث
حسن عالي



مقدمة:
إنَّ الهجرة النبوية، تُعَدُّ حدثاً مهماً في التاريخ الإنساني عامة، وفي تاريخ الإسلام خاصة، لأنها الفيصل بين عهدين، كفر وإيمان، وحرب وسلام، بل هي تفريق بين الحق والباطل.
إنَّ حدثاً مثل الهجرة، لا بُدَّ أن يكون بتخطيط سليم، يقوم على أسس علمية واضحة لاسيما وهو مسنود بالوحي.
إن الكتابات عن الهجرة كثيرة، وأصبح مع إطلالة كل عام تمتلئ الصحف كتابة، والمساجد وعظاً وإرشاداً عن الدروس والعبر المستفادة من نموذج الهجرة.
ولعل الإنسان يلمح التكرار في كل عام، وعدم التناول النوعي للمهارات، والفنون التي حازت عليها الهجرة، ومن ذلك عملية التخطيط التي صاحبت الهجرة من حيث وضوح الغايات، والأهداف، والوسائل التي وُضِعَتْ لذلك.
إنَّ التخطيط كان واضحاً في فكر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو يترسم الخطى في جزيرة العرب بمكة المكرمة مسنوداً بالوحي، وبين القوم الذين ناصبوه العداء، ووضعوا العراقيل أمام دعوته والدخول فيها. ولعله من الواضح أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد حدد هدفه في إيجاد بقعة يعبد فيها الله - سبحانه وتعالى - ويقام فيها المجتمع الطاهر، وتؤسس فيها الدولة على هدى من الكتاب والسنة.
كانت هذه الفكرة، بعد أن استقر الرأي عنده -صلى الله عليه وسلم- بأن مكة قد رفضت دعوته، ودفعت به خارجها، وحفرت له الأخاديد والخنادق ليقع فيها، ثم تنقض على هذه الدعوة الوليدة لتقضي عليها.
كان التخطيط متدرجاً حيث تحمل -صلى الله عليه وسلم- وقومُه صنوف العذاب، والرسوفَ في القيود، وضغط الصخور في الهاجرة، ولم يأذن لأصحابه بالهجرة في ذلك الوقت، إلا بعد أن اشتد النكال وتطاول القريشيون على الدعوة.
ومن النظم الواضحة التي اتبعها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في التخطيط للهجرة: الشورى خاصة مع صاحبه أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، والتمويه بنوم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- على الفراش، واتخاذ الدليل الخبير بالطرق والدروب...الخ.
كل هذه كانت مراحل تخطيطية اتبعها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه في الهجرة إلى المدينة المنورة.
بهذا التخطيط الموفق بإذن الله، استعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهجرته، ووضع درساً مهماً للأمة في الإدارة الحكيمة، والتخطيط العلمي الناجح المسبق.
يهدف الباحث من خلال هذه الدّراسة إلى الوقوف عند هذا الجانب المهم في حياة الشعوب، الذي أصبح كل العالم يعمل من أجل ترسيخه، والتباري في نظرياته لإحكام الحياة، وضبط شعبها بقواعد تجعل عناصر التخطيط، والضبط، والإشراف، والمتابعة، هي التي تهيمن على كل عمل.
إنَّ التخطيط الذي وضعه الرسول -صلى الله عليه وسلم- زوّد المهاجرين بالفكرة الرئيسة وراء الهجرة حيث الأهداف، والخطط والسياسات، كما يساعدهم في فهم البيئة، التي هم في الطريق إليها، ليسهل التعامل معها، ومع متغيراتها، وهذه الرحلة بالنسبة للمهاجرين، تُعَدُّ إعداداً لهم وتدريباً، وتنمية لفكرهم الشامل والثاقب ليتعامل مع المتغيرات.
ولعلَّ التخطيط للهجرة - ككل تخطيط - يواجَهُ ببعض العقبات، ومن هذه العقبات:
[أ] التعقيدات البيئية الجديدة التي يصوبون نحوها، والتي تختلف في ثقافتها عن ثقافة مكة التي قدموا منها.
[ب] وكذلك تردد القيادات الذي يصحب مثل هذا التخطيط، حيث بدأ الأمر سراً، ولكن سرعان ما انبلج صبحه وأسفر، وزال الإحباط، وتناقل الناس أخبار الهجرة، وزال التردد، وأقبل المهاجرون بصفاء واطمئنان.
[ج] كما وقفت أمام هذا التخطيط الوسائل والطرق ومن يدل عليها، حتى استعين ببعض المشركين الذين لهم معرفة بالطريق، ومنهم الدليل "عبد الله بن أريقط الليثي، وكان هادياً خريتاً - ماهراً بالطرق - وكان على دين كفار قريش"([1])، الذي ساعد في إكمال الاستعداد، وضبط الوقت، لا سيما وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- القائد مع صحابته يزودهم بالحجج الداحضة، والبراهين الواضحة، للوصول للهدف المنشود.
بهذا التخطيط السليم، والمتحسب فيه لكل متوقع، خطَّط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهجرته، التي أعقبها قيام المجتمع، وإرساء قواعد الدولة، التي أصبحت مثلاً، ونموذجاً يحتذى إلى قيام الساعة.
هذا البحث يتضمن حديثاً عن التخطيط بصفة عامة كمدخل، ثم التخطيط في هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصولاً إلى النتائج المرجوة، تأصيلاً لتخطيط يقوم على أمر القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكسوب الإنسانية، هذا هو هدف البحث الذي اتبع فيه الباحث المنهج التاريخي والتحليلي والوصفي. والذي جاء في ثلاثة مباحث وخاتمة.
يهدف هذا البحث للتعريف بدقة التخطيط في هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والوقوف على المواقف التخطيطية الدقيقة، مثل: نوم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في فراش النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة هجرته، والاستعانة بمن يعرف الطريق.
وكذلك التخطيط في القضايا الكبرى، مثل: بناء المسجد بحسبانه مأوى وموقع اجتماع، وكذلك قضية التآخي التي تُعَدُّ من أهم القضايا في رتق النسيج الاجتماعي، علاوة على التخطيط للدولة واستقرارها بإصدار صحيفة المدينة.
اتّبع الباحث المنهج التاريخي والتحليلي والوصفي ليحقق أهداف البحث.
توصّل الباحث إلى نتائج، أهمها: الاهتمام بعمليات الإدارة الأساسية، مثل: التخطيط في ترتيب أولويات العمل وأسبقياته. كما ختم بحثه بأهمّ التوصيات التي جاءت دعوة للتخطيط والشورى وإقرار السّلام، وذلك بالتصالح والتعاهد مع الذين يختلفون في الدين مع نظام الدولة السائد.
المبحث الأول: التخطيط: تعريفه، أهميته، أهدافه، أنواعه، أسسه
تعريف التخطيط ومفهومه:
عُرِّف التخطيط بأنه: "عملية ذكية تصرف الذهن لعمل الأشياء بطريقة منتظمة، والتفكير قبل العمل، والعمل في ضوء الحقائق بدلاً عن التخمين"([2]).
ويُعرِّف أيضاً بأنه: "عملية نحاول من خلالها امتلاك صورة عن حقبة محددة قادمة تدعو لاختيار بديل من عدة بدائل، لتطبيقه في المستقبل، يحدد من خلاله طبيعة العمل، والمكان، والزمان، والكيفية، والوسيلة"([3]).
إنَّ وظيفة التخطيط كما هي في التعريف السابق تتقدم جميع العمليات الإدارية، ولا يمكن أن تقوم الوظائف الأخرى إلا بعدها.
كما يتضح من التعريف أيضاً أنَّ التخطيط عملية علمية تبنى على المعلومات لتحقيق الأهداف التي تُعَدُّ أول ما يفكر فيه المخطط.
وكما قال الدكتور محمد منير مرسي: "التخطيط في جوهره لا يخرج عن كونه عملية منظمة وعلمية لاختيار أحسن الحلول للوصول إلى أهداف معينة"([4]).
وهذا التعريف يعني ترتيب الأولويات والأسبقيات في ضوء الإمكانات المتاحة لدى المخطط، ومن الضروري الذي يراه المخططون دائماً التفريق بين التخطيط والخطة، حيث أن التخطيط هو عملية مستمرة وقد يكون قصير المدى، أو متوسط المدى، أو طويل المدى، أما الخطة فهي وضع التخطيط في صورة برامج للتنفيذ.
أهمية التخطيط وأهدافه:
إنَّ التخطيط من عناصر الإدارة المهمة، وهو أول عنصر فيها، يأتي بعده التنظيم، والتنسيق، والضبط، والرقابة وغيرها.
يهدف التخطيط لتحقيق الأهداف الدعوية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، حسب مراد المخطط والمتاح له من موارد.
والتخطيط فكرة قديمة نشأت مع الحضارة الإنسانية، ولذلك قالوا: "التخطيط يقتضي الإحاطة بالخريطة النفسية، والاجتماعية لبيئة الدعوة"([5]).
أنواع التخطيط:
النوع الأول: التخطيط الذي تتوفر له البيانات والإحصائيات بدرجة عالية من الصحة، وهو أكثر أنواع التخطيط شيوعاً.
والنوع الثاني: التخطيط بلا هدف؛ وهذا يسمونه التخطيط من أجل التخطيط؛ وهو الذي تستخدم فيه النظريات؛ وتستعرض فيه المناهج، والأساليب النظرية؟
أما النوع الثالث: فهو التخطيط بدون بيانات وهو نوع يستحيل أن تتوفر له البيانات لأنه مبني على الخيال.
أسس التخطيط:
وحتى يكون التخطيط محكماً لا بُدَّ أن يكون مرتباً بخطوات على النحو التالي:
[1] تحديد الأهداف بوضوح.
[2] ترتيب الأولويات، وهذه تحددها الإمكانات، والموارد، والقوى البشرية.
[3] التنبؤ باحتمالات المستقبل.
[4] الشمول؛ حسب الإمكانات والموارد.
[5] الواقعية، وتعني التمشي مع الظروف الفعلية والعملية.
[6] المرونة وتعني وجود القدر الذي يسمح بالحركة، ومواجهة المتغيرات غير المتوقعة.
[7] المتابعة والتقويم، وتعني ملاحظة الخطة، وتطبيقاتها بصورة جزئية أو كلية.
وتُعدُّ الاعتبارات أعلاه من أهم الأسس في التخطيط لكل أغراضه: الدعوية، والتربوية، والثقافية وغيرها.
إنَّ من الأساسيات التي يهدف إليها التخطيط، تجنب حدوث عدم الاتزان بين المكونات البيئية المختلفة من إنسان وما يحتاجه في حياته وعوامل أخرى، وذلك انطلاقاً من مفهوم أن التخطيط يتحدث عن المستقبل واستشرافه، وهذا نراه في فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ وهو يخطط للهجرة إلى المدينة المنورة.
جوانب التخطيط في الهجرة النبوية إلى المدينة:
إرهاصات الهجرة:
إنَّ أول ما بدأ به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من تخطيط بعد الهجرتين الأولى والثانية إلى الحبشة، هو أن عرض نفسه على القبائل، ثم حاول الاستنصار بثقيف في الطائف.
وفكَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- في تنفيذ هدفه الأساسي؛ وهو إيجاد بقعة مباركة تكون مرتكزاً ومنطلقاً للدعوة، فكانت فكرة الهجرة إلى المدينة المنورة، حيث كانت الأسباب مواتية، والمناخ ملائماً.
فلننظر لماذا لم تكن بقعة المقر والانطلاق للدعوة هي الحبشة؟ وكذلك لماذا لم تكن الطائف؟ ولماذا كانت المدينة المنورة؟
فكَّر الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة بسبب دوافع اشتداد البلاء والمعارضة وقسوتها على المسلمين، وتعاظم الفتنة والتعذيب الدائم للمستضعفين من المسلمين، والعدوان المستمر على أصحابه -صلى الله عليه وسلم-([6]).
أذن لبعض أصحابه بالهجرة الأولى إلى الحبشة، التي استقبلهم ملكها (النجاشي) أحسن استقبال، وأكرم وفادتهم، وقد أخبرهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بذلك قبل ذهابهم بقوله: ((إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه))، وقال الصحابة: ((فخرجنا إليها أرسالاً حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمناً على ديننا ولم نخش منه ظلماً))([7]).
إنَّ الحبشة بالرغم من حفاوة الاستقبال وسماحة ملكها إلاَّ أنَّها لم تكن هي الأرض المناسبة لنشر الدعوة، واستقرارها، وذلك لأسباب أهمها:
[1] إنَّ الدعوة الإسلامية جاءت باللغة العربية؛ ونزلت في أرض العرب، وتناسبت وثقافتهم، وهذا لا يحدث في الحبشة، إذ أن الأحباش بمختلف قبائلهم لا يتكلمون العربية، وبالتالي فإن نشر الدعوة يواجه مشكلة في تلك البقعة، لأن النشر يعتمد على الاتصال الذي وسيلته اللغة.
[2] إنَّ الحبشة بعيدة عن مكة المكرمة، والهجرة إليها تستغرق وقتاً وجهداً، وقد يهلك بعض الناس دون الوصول إليها، إذ فيهم كبير السن، والمرأة، والطفل.
فضلاً عن هذين السببين؛ فإنَّ الهجرة إلى المدينة كانت بتوجيه إلهي، وقد مهَّد لها الرسول -صلى الله عليه وسلم- ببيعتي العقبة لأولى والثانية.
رحلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- للطائف([8]):
كانت الفكرة الثانية رحلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف، فقد خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف وحده، من أجل إيجاد مركز جديد للدعوة يلتمس فيه النصرة من ثقيف.
وذكرت كتب السيرة أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن رأى عدم قبول أهل ثقيف له، وسبابها له، ورشقها إياه بالحجارة عمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، ثم توجَّه إلى ربه بالشكوى: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح لي أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)([9]).
إنَّ الثقافة الواحدة مع مكة، واللُّغة المشتركة بين آل ثقيف في الطائف، وأهل مكة من القريشيين أوجد نوعاً من التقارب؛ إلا أن التقارب المكاني واللساني لم يكونا عاملي مقاربة، بل كانا عاملي منافسة ومشاكسة أديا إلى عدم قبول الدعوة الجديدة في الطائف، التي وُصِف كل من أعتنقها بأنه قد صبأ عن دين أجداده وأقوامه.
إنَّ قُرب المسافة بين مكة والطائف سهَّل الاتصال؛ ونقل الأخبار، مما جعل أهل الطائف لا يغيب عنهم خبر ولا حدث إلا أحصوه، ووعوه؛ وخبروه، وعجموا عوده، واشتركوا مع كفار مكة في مناصبة المسلمين العداء، تدبيراً للمكائد، وتسهيلاً للمصائد، بل خوضاً للحرب الضروس ضد المسلمين مؤازرة لأهل مكة، الذين اتفقوا معهم في وحدة الهدف، وهو العداء للإسلام والمسلمين، وصد الناس عن الدعوة الجديدة، التي جاءت لتبطل عليهم عبادة الأصنام، وتدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي بعبادته يتحرر الإنسان من عبادة أخيه الإنسان، يُبْعَدُ عن عبادة كل شريك مهما كان.
ولعل السؤال الذي يبرز: لماذا كانت المدينة موضع الاختيار؟ وهذا ما سيجيب عليه المبحث التالي.
المبحث الثاني: أسباب الهجرة إلى المدينة المنورة ومظاهر التخطيط فيها.
[1] الإذن بالهجرة من الله - تعالى - والأمر بها لأسباب يعلمها الله - عز وجل -، وهو العليم بكل شيء، وهو الأعلم حيث يجعل رسالته، وهذا يُعَدُّ السبب المباشر في أمر الهجرة.
[2] مناصرة أخوال النبي -صلى الله عليه وسلم- له، لأنَّه لما عزم النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن يدخل المدينة أرسل إلى زعماء بني النجار (أخواله)([10]) فجاءوا متقلدين سيوفهم، وقُدِّر عدد الذين استقبلوه من المسلمين الأنصار بخمسمائة، حيث أحاطوا بركب النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه([11])، ومضى الموكب داخل المدينة والجموع تهتف: (جاء نبي الله، جاء نبي الله)([12]). وهذه مناصرة من أهل المدينة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة أخواله من بني النجار.
[3] إنَّ أهل المدينة (الأنصار) هم عرب لسانهم اللغة العربية، وأهل مكة على شاكلتهم، مما سهَّل التواصل، وقرب الشقة وأصبح أمر الدعوة ميسوراً مفهوماً بين الفريقين، لأن وسيلة الاتصال مشتركة.
[4] إنَّ البشريات قد جاءت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنَّ أهل المدينة لهم الرغبة في هذا الدين، وهم على استعداد لنصرته، ومبايعته على ذلك، حيث كانت بيعتا العقبة الأولى والثانية؛ وكذلك لقاءات المواسم (وكان أكبر هذه المواسم الحج؛ حيث لقي ـ فيمن لقيهم ـ جماعة من الخزرج)([13]).
[5] إنَّ المدينة المنورة كانت بعيدة عن مكة المكرمة بحوالي (450) كلم؛ وبالتالي لا يسهل الاتصال بين أهلها، وأهل مكة المكرمة، ولذلك يمكن كتم الخبر، ونشر الدعوة بين الناس دون أن يمسها أو يعترضها القريشيون؛ لاسيما وأن وسائل نقل الأخبار في ذلك الوقت كانت صعبة.
لهذه الأسباب آنفة الذكر، التي تمثل التوكل، حيث الأذن والبشريات، ولتلك الأسباب المادية التي ذكرت، اتجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، حيث مجتمع الأنصار، وقيام المجتمع المسلم، ودولة الإسلام هنالك؛ حسب تخطيطه.
الإذن الإلهي بالهجرة إلى المدينة:
قال - تعالى -: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(التوبة: 40) أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس -- رضي الله عنهما - قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- بمكة ثم أمر بالهجرة([14])، فنزل عليه قوله - تعالى -: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً) (الإسراء: 80).
أهم مظاهر التخطيط والتنفيذ في الهجرة النبوية إلى المدينة:
ويمكن أنْ نوجز أهم مظاهر التخطيط الإلهي والتنفيذ النبوي في الهجرة إلى المدينة في النقاط التالية، وهي مبسوطة في كتب السيرة، ولذا نكتفي إليها بإشارات فقط:
[1] أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بالهجرة قبله سراً، وانتظر هو الإذن من الله - تعالى -، كما استبقى معه صاحبه أبا بكر الصديق.
[2] بعد أنْ أذن الله - تعالى -لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بالهجرة ذهب إلى بيت أبي بكر الصديق في وقت الهجيرة، وهو وقت لم يكن من عادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنْ يزوره فيه، وذلك لإبلاغه بالهجرة وإخطاره بصحبته فيها، وقد كان الصديق ينتظر هذا الإذن حيث كان قد اشترى راحلتين وأعلفهما.
[3] أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- علياً بن أبي طالب بالمبيت على فراشه ليوهم قريش بأنَّه ما يزال في بيته.
[4] خرج الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه إلى اتجاه عكس اتجاه المدينة، حتى لا تعرف قريش وجهته، واصطحب معه خبيراً بالطرق (عبد الله بن أريقط).
[5] أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الراعي عامر بن فهيرة بأنْ يروح بأغنامه على إثرهما ليمحو آثارهما، لكي لا تتمكّن قريش من متابعتهما وملاحقتهما.
[6] اتخذ العيون التي تأتيه بالأخبار والزاد، ومن ذلك عبد الله بن أبي بكر الصديق، وأسماء بنت أبي بكر الصديق.
[7] التدبير الإلهي لحماية النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه من نسج العنكبوت ومبيض الحمامة على باب الغار الذي دخلوا إليه.
[8] اكتساب المصادر والعيون كما حدث لسراقة بن مالك، حيث أمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنْ يعمي خبرهم عن قريش، ففعل.
هذه جوانب من التخطيط الإلهي والنبوي الذي تم في مقابل تخطيط مشركي قريش ودأبهم على التخلُّص من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
المبحث الثالث: التخطيط لما بعد مرحلة الهجرة
تنفيذ الخطط التي أَعدّها الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمرحلة ما بعد الهجرة:
أعقب تخطيط رسول -صلى الله عليه وسلم- للهجرة وتنفيذها عدداً من الأعمال التي تشير إلى قيام المجتمع، والدولة، حيث كان التخطيط لهجرته -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، يعني ظهور أول دولة إسلامية، أشرف على قيامها وأسسها المبعوث رحمة للعالمين، نبي الرحمة والملحمة متكامل الصفات القيادية.
عندما وصل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة؛ أقام الأسس المهمة للدولة الوليدة، والتي تمثلت في الآتي:
[1] بناء المسجد.
[2] المؤاخاة بين المسلمين عامة، والمهاجرين والأنصار خاصة.
[3] كتابة الوثيقة التي حددت نظام حياة المسلمين فيما بينهم، ومع غيرهم من اليهود وأهل الملل الأخرى.
[1] بناء المسجد:
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان -صلى الله عليه وسلم- يصلى حيث أدركته الصلاة؛ ويصلى في مرابض الغنم، قال: (ثم أنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاءوا، فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، قال: فصقوا النخل قبلة المسجد، قال: وجعلوا أعضاديته حجارة، وجعلوا ينقلون الصخر، وهم يرتجزون، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- معهم، وهو يقول: ((اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة))([15])
الدلالة التخطيطية في بناء المسجد:
لأهمية المسجد في قيام المجتمع المسلم، والدولة المسلمة أراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- عند وصوله المدينة الشروع فيما خطَّط له، وهو أن يقيم مجتمعاً مسلماً متماسكاً يقوم على القيم الإسلامية السمحة، وأول ركيزة في بناء هذا المجتمع المسلم هي إقامة المسجد، الذي منه تنبع روح المجتمع المتوحد المتراص المتماسك؛ وكذلك شيوع آصرة الأخوة والمحبة بين الذين يؤمونه في اليوم خمس مرات؛ وفي كل أسبوع تتسع رقعته، وتكبر حلقته لينعقد فيه مؤتمر كبير تجمع فيه أطراف المدينة وما حولها؛ ليستمعوا إلى أمام واحد، يحدثهم ترغيباً وترهيباً؛ راسماً لهم الخطط ومنعشاً فيهم روح الدين لشحذ هممهم، ورفع درجة حماسهم إلى الدعوة لهذا الدين.
[2] المؤاخاة بين المسلمين عامة، والمهاجرين والأنصار خاصة:
إنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد آخى بين المهاجرين والأنصار؛ (آخى بينهم على الحق والمساواة، وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات([16])، وذلك ليكون أثر الأخوة الإسلامية أقوى من أثر قرابة الرحم)([17]).
قام هذا التآخي على أسس معنوية، ومادية، ليكتمل البناء، ولتنتظم أماني النفس، ومتطلباتها.
وكانت من الظواهر المادية التوارث بينهم، حيث ظلت هذه الحقوق الأخوية مقدمة على حقوق القرابة إلى موقعة بدر الكبرى، حيث نزل في أعقابها قول الله - تعالى -: وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ (الأحزاب: 6)، فنسخت هذه الآية ما كان سائداً من نظام المؤاخاة خاصة في الميراث، الذي هو حق شرعي لأولي الأرحام حسب ترتيبهم، وعلاقاتهم التي رتبها القرآن الكريم، فجعل للأب حقاً، وللأم حقاً، وللذكر مثل حظ الأنثيين؛ على أن تحتفظ الأمة بأخوتها في الله - تعالى -، وبحقوقها التي هي عليه.
روي عن ابن عباس قال: (كان المهاجرون حيث قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحم للإخوة التي آخى النبي -صلى الله عليه وسلم- بينهم، فلما نزلت: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ (النساء: 33) نسخت، ثم قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ (النساء: 33) أي من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث)([18]).
العبر التخطيطية في المؤاخاة:
بعد بناء المسجد، اعتمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بناء المجتمع الإسلامي، والدولة المسلمة؛ على المؤاخاة، وجعلها ركناً من أركان هذا البناء، الذي أريد له أن تتراص صفوفه قياماً بواجب المحبة، والمساواة، والعدل والتكافل بين الأمة الواحدة.
إنَّ المؤاخاة هي إحدى العبر التخطيطية؛ التي تمكّن من وحدة الأمة، والتي بها تنهض الدولة، ويستقيم عودها، وتقوى شكيمتها، وتستطيع أن تنشر الدعوة في ربوع العالم؛ (ولا يمكن لكل من الوحدة والتساند أن يتم بغير عامل التآخي والمحبة المتبادلة)([19]).
وليكون التآخي متيناً لا بُدَّ أن تسبقه عرى الإسلام، ومقومات الإيمان؛ عقيدة، وتوحيداً ومن أجل ذلك كانت المؤاخاة في الإسلام مبنية على هذه الركائز.
إنَّ التآخي الذي أساسه رابطة الإسلام، والذي مكَّنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه، كان يقوم على العدالة في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق؛ ولعل هذا يمهد لبناء الدولة؛ إذ إن الدولة من مقوماتها الرقعة الجغرافية، والأمة التي يكون التآخي سبباً في قيامها ووحدتها، وكذلك النظام الحاكم أيضاً من بناء المسجد مكاناً للشورى، والتعليم، والاستعداد لكل صنوف الحياة سلماً وحرباً وكذلك المؤاخاة التي تحقق وحدة الأمة المتجهة لقبلة واحدة، العبادة لرب واحد.
إنَّ التآخي الذي أراده الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين أصحابه، كان حقيقاً وعملياً، ولم يكن نظرياً حيث آخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، وقد عرض سعد على عبد الرحمن بن عوف أن يشركه في بيته، وأهله، وماله، بقسمة متساوية، ولكن عبد الرحمن شكره، وطلب منه أن يدله على السوق([20]) ليمارس تجارته وأعماله التي كان يقوم بها في مكة. هذا على سبيل المثال.
من الواضح أن هذا التآخي هو صلب الوحدة وتمكينها في المجتمع، فقد سبق أن آخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين في مكة، فقد ورد عن ابن عبد البر أنَّه قال في الأثر: (كانت المؤاخاة مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة، وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار)([21]).
إنَّ التآخي بهذا التصوُّر يؤكد أنَّ الأخوة والمحبة أساسها الرابطة الإسلامية، التي تجعل كل شيء لله - تعالى -، والمحبة في الله هي أقوى أنواع المحبة، وكذلك البغض في الله؛ وكل هذا محكوم بقاعدة شرعية هي أن يكون كلاهما هوناً كما ورد في الأثر: (أحبب حبيبك هوناً ما، عسي أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما)([22]).
النظام الإسلامي يتسق مع بعضه في كل جوانبه؛ وهو دعوة للاتحاد، وارتباط المسلمين مع بعضهم البعض، لا سيما وأنَّ العالم في هذا الوقت كوَّن التحالفات العسكرية، والاقتصادية، والثقافية، والأمنية، وغيرها.
وفي مقابل هذا يجب على المسلمين عرض الإسلام بفهم صحيح؛ بعيداً عن التشنُّج والتطرُّف؛ دعوة ذات منهج وسط أي عدل يقوم على المساواة، والعدل والشورى بحسبانها ركائز دستورية أساسية في قيام المجتمع المسلم، والدولة المسلمة ليتكون الحلف الإسلامي القوي؛ قال - تعالى -: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)(التوبة: 71).
لقد حذَّر الله - تعالى -المسلمين من التفرُّق، والتباعد وأخبرهم أن الذين كفروا يسيرون في اتجاه الاتحاد، والمسلمون إن لم يفعلوا ذلك سيعم الفساد والبلاء،
قال الله - تعالى -: (وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)(الأنفال: 73)
[3] كتابة وثيقة بين المسلمين وغيرهم:
إنَّ كتابة الوثيقة أمر مهم وعظيم، إذ إنه يفتح نوافذ جديدة، تتجاوب مع طبيعة المجتمعات التي أوجدها الله - سبحانه وتعالى - متفرقة، تحتاج إلى ما تتواضع عليه، لتحقق سلاماً وتعايشاً تتفق فيه على حد أدنى من التوافق، والأسس، التي تجعل الاستفادة من تسخير الحياة أمراً ميسوراً. (وهذا الأساس - أي كتابة الوثيقة-؛ هو أهم ما قام به النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يتعلق بالقيمة الدستورية للدولة الجديدة)([23]).
تُعَدُّ هذه الوثيقة أول ميثاق لتحالف إسلامي قام به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بعد أن بنى المسجد الركيزة الأولى من ركائز المجتمع؛ ثم عقد المؤاخاة بين المؤمنين. ثم كتابة الوثيقة: (قام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعقد هذه المعاهدة والتي أزاح بها كل ما كان من حزازات الجاهلية والنزاعات القبلية، ولم يترك مجالاً لتقاليد الجاهلية)([24]).
ملخص لبنود صحيفة المدينة أو الوثيقة([25]):
عند ما استقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة وأراد أن ينظم العلاقات بين أهل المدينة، كتب كتاباً بهذا الشأن، عرف في المصادر القديمة باسم (الكتاب) و(الصحيفة) وأسماه الكتاب المحدثون (الدستور) أو (الوثيقة).
ولأهمية هذه الوثيقة واعتماد الباحثين المعاصرين عليها، وجعلها أساساً في دراسة تنظيمات الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المدينة المنورة، ونظم الدولة الإسلامية، وعلاقاتها مع الدول والملل الأخرى، والنظام السياسي في الإسلام؛ فقد رأينا أن نتناول بالعرض والدراسة باختصار شديد، مركزين على جانب التخطيط بحسبانه موضوع البحث.
أولاً: مضمون الصحيفة([26]):
[أ] بنود الصحيفة المتعلقة بالمسلمين:
- المؤمنون من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس.
- كل فريق من المؤمنين (المهاجرين، بني ساعدة، من الأوس.. ) على ربعتهم([27]) يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم([28]) بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وإن المؤمنين لا يتركون مفرحاً([29]) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
- المؤمنون المتقون على من بغى منهم، وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم.
- ذمة الله واحدة، يجير على المسلمين أدناهم، والمؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس.
- من تبع المؤمنين من اليهود، فإن له النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.
[ب] بنود الصحيفة المتعلقة بالمشركين:
- لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على المؤمنين.
[ج] بنود الصحيفة المتعلقة مع المؤمنين ما داموا محاربين.
- يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، مواليهم وأنفسهم.. ولبقية اليهود من بني النجار، يهود بني الحارث... ما ليهود بني عوف. وإن بطانة يهود كأنفسهم.
- لا يخرج من يهود أحد إلا بإذن محمد -صلى الله عليه وسلم-.
- على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح... والنصر للمظلوم.
[د] بنود الصحيفة المتعلقة بالقواعد العامة:
- يثرب حرام جوفها لأهل الصحيفة وإن الجار كالنفس، غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
- ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله - عز وجل - وإلى محمد رسول -صلى الله عليه وسلم-.
- لا تجار قريش ولا من نصرها.
- وإن بينهم أهل الصحيفة النصر على من دهم يثرب.
- من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
العبر التخطيطية في الوثيقة:
تنبع القيم التخطيطية في هذه الوثيقة من أنها تتعلق بمختلف الأحكام التنظيمية للمجتمع الإسلامي؛ وأنها دستور (وهذه الكلمة هي أقرب مصطلحات العصر الحديث لهذه الوثيقة)([30]).
عالجت هذه الوثيقة، كل ما يمكن أن يعالجه أي دستور حديث يعنى بوضع الخطط العامة، والكليات المهمة لنظام المجتمع والدولة، حيث عالجت هذه الوثيقة العلاقات الداخلية والخارجية، الداخلية تعني العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة مع بعضهم بعضاً، وكذلك علاقتهم مع الآخرين.
ولعلَّ كمال العلاج فيها أنها وضعها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحياً من الله - سبحانه وتعالى - شمل الخطوط العريضة، التي تابعها الصحابة في علاقاتهم مع اليهود، فكان مجتمع المدينة مجتمعاً مسالماً ومتعايشاً على أسس سليمة مبنية على بنود هذا الدستور الراسخ، المراعي لكل الجوانب التي يتوقع أن ينشب فيها خلاف، ويتأجج فيها صراع يحطم قواعد الدولة، التي نشأت بنظام وتخطيط ربط أهلها أولاً ثم مع من عايشهم من الملة اليهودية، وبمسجد تلتقي فيه جموعهم، تحفها عقيدة راسخة، وأخوة حانية، تقرب الناس بعضهم بعض، متجهين نحو قبلة واحدة، يعبدون رباً واحداً، على قلب رجل واحد، يتصدون لأي عدو يتجهمهم، أو يريد أن ينال منهم، وهذا هو الأساس المتين الذي يجب أن يقوم عليه مجتمع المسلمين؛ الدولة الفتية التى تجابه صعاب الزمن، وتحطم تحدياته بمنهج إسلامي واضح، مستفيدة من كل حديثات العصر وتقانته؛ وكذلك الأصول الواضحة، الراسخة على هدى من الكتاب والسنة.
الخاتمة:
بهذا التخطيط السليم، الذي تميز ببعد النظر، وبهذه الحكمة والحذاقة أرسى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قواعد مجتمع جديد، هيأه تربية، وعلماً، وتزكية للنفوس، وحثاً على مكارم الأخلاق، وفضائل الأعمال.
بعد هذه الخطط السليمة التي وضعها الرسول -صلى الله عليه وسلم- شرع في وضع أسس التربية، حيث المسالمة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه))([31])، ومنع التباغض والتحاسد وأمر بالتعاضد والتماسك، وهذا هو المنهج الذي تربي عليه المسلمون والذي يجب أن يتبع إلى يوم الدين.
بكل هذه الأسس المانعة الجامعة، أسس مجتمع المدينة، الذي جمع المسلمين من المهاجرين والأنصار، واليهود والذين أشركوا؛ هذا المجتمع بهذا التكوين، وسعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بأخلاقه القرآنية وبتخطيط سليم كان مدعوماً بالوحي، وبالصحابة الذين رباهم على يده، وفق منهجه الذي يريد فكانوا صفوفاً في المسجد؛ إخباتاً لله - تعالى -، وإخواناً يحب كل منهم لأخيه ما يحب نفسه، يحكمهم دستور جمع، فأوعى من المعاني، والمقاصد والنظم، التي أطرت لمجتمع المسلمين ولدولة الإسلام، حتى أصبحت وثيقة المدينة وعرى الإخاء، والمقر الجامع الذي ينطلق منه كل فن عسكري، واقتصادي، واجتماعي، وثقافي هي الأسس الثابتة التي يقاس عليها قيام المجتمع المسلم واستقراره.
وبعد أن استقر الحال بدأ الاتصال بالمجتمعات الإنسانية الأخرى، عن إرسال الرسائل وبعث الوفود(حيث أرسل إلى أكبر قوتين عالميتين كانتا تتنازعان السيطرة والتنافس على بلاد المعمورة المعروفة آنذاك وهاتان القوتان هما: (الروم) و(الفرس)([32]).
بهذه الكلمات، والحقائق العلمية، وبهذا التخطيط العلمي السليم كانت هجرته -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة طابت، وطيبة التي قامت بها الدولة وانطلقت منها الدعوة فتحاً مبيناً، ونموذجا يحتذى إلى يوم الدين إن شاء الله ونسأله أن يعيد على الأمة ما كان عليه الأولون، حتى ينصلح الآخرون وهو ولي التوفيق والسداد.
النتائج والتوصيات:
[أ] النتائج:
[1] عدم الدّراسة المتأنية للسيرة النبوية بغرض استنباط المفاهيم وتطبيق المصطلحات الإدارية على أعمال السيرة وما جرى فيها.
[2] ضياع حقوق المسلمين بسبب عدم توثيق العهود والمواثيق، مما يترتب عليه ضياع الحقوق.
[3] المسجد من البقاع المهمة التي تخرّج العلماء والمفكرين والمجاهدين.. رغم ذلك لم يجد حظه من الاهتمام والرعاية.
[4] المسلمون يحتاجون لتجديد الروابط الأخوية وتمكين عراها على نحو يرضي الله - تعالى -.
[5] عدم التخطيط المبكر لأمور المسلمين يفقدهم ترتيب الأولويات والأسبقيات، ويضيّع عليهم الفرص.
[6] عدم تطبيق الأسس الدّستورية من شورى، وعدل، ومساواة، وغيرها.
[7] فقدان المجموعات التفكيرية التي تساعد القيادة في صنع القرار واتخاذه، كما فعل أبو بكر الصّدّيق -رضي الله عنه- ومَنْ معه حول الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
[8] السّلام أوْلَى من الحرب، والتنازل لتحقيقه لا يُعَدُّ تنازلاً ما دامت الثوابت محفوظة.
[ب] التوصيات:
بعد هذه الدراسة خلص الباحث إلى الآتي:
[1] لا بُدَّ من الدراسة المتأنية للسيرة النبوية عامة؛ والهجرة النبوية وما صحبها من تخطيط علمي بحسبانها الجانب التطبيقي.
[2] الاتفاق المكتوب، والالتزام به هو ضمان للمواثيق وصيانة لحقوق الآخرين.
[3] المسجد هو البقعة التي تشع نوراً وتنطلق منها الدعوة، والشورى، والعدل، والمساواة، فلذلك يجب الاهتمام به ووضع البرامج له.
[4] المؤاخاة هي العروة الوثقى التي تحافظ على وحدة المجتمع، وسلامته من التشرذم فلذلك يجب رعايتها بأسس سليمة.
[5] التخطيط المبكر، ودراسة العواقب لكل أمر يؤمن للأمة سيرها، ويضمن للقيادة وضوح الرؤية، وعدم التخبط.
[6] الشورى، والإخاء والعدل والمساواة؛ هي الأسس الدستورية لأمة الإسلام يجب رعايتها، والاهتمام بها، وإقامة المؤسسات التي ترعاها.
[7] إقامة مجموعات التفكير، لتقوم بواجب التخطيط، وترعى أبعاده، وتهيئ لصنع القرار بقواعده السليمة، حتى يسهل اتخاذه.
[8] إقامة الشورى بمستوياتها المختلفة الخاصة والعامة؛ والفنية والإدارية لينصلح المجتمع، ويقوم سليماً معافاً.
[9] السلام عروة وثقى، عدَّها الإسلام أساساً للوحدة وانطلاقاً نحو غد مشرق، ومستقبل باهر، فلذلك يجب الاهتمام به، وإنَّ كل ما يعمله الإنسان في سبيل تحقيقه لا يُعَدُّ تنازلاً، ما دام الاتفاق على الثوابت من تطبيق للشريعة الإسلامية في أرض المسلمين، والوحدة الوطنية بين أبناء الوطن متفقاً عليه.
ــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المصادر والمراجع
أولاً: القرآن الكريم.
ثانياً: المصادر:
[1] الأدب المفرد: للإمام البخاري.
[2] السيرة النبوية: ابن هشام.
[3] صحيح البخاري.
[4] فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني.
[5] مسند الإمام أحمد.
ثالثاً: المراجع:
[1] الإدارة التعليمية أصولها وتطبيقاتها: د. محمد منير مرسي، عالم الكتب، القاهرة، مصر، 1996م.
[2] الإدارة المدرسية في ضوء الفكر الإداري: د. صلاح عبد الحميد مصطفى، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1422هـ، 2000م.
[3] الرحيق المختوم: صفي الرحمن المباركفوري، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، مصر، 1422هـ، 2001م.
[4] الرسول العربي المربي: د. عبد الحميد الهاشمي، دار الثقافة العربية، دمشق، سوريا، ط/1، 1401هـ، 1981م.
[font:cdd0=traditional ar
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://azef.yoo7.com
 
الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عازف الاورج الشرقى :: المنتدى الاسلامى العام :: منتدى التاريخ الاسلامى-
انتقل الى: